الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
202
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أغراضها إثبات كرامة للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن دعوته بلغت إلى جنس الجن وإفهامهم فهم معان من القرآن الذي استمعوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم وفهم ما يدعو إليه من التوحيد والهدى ، وعلمهم بعظمة اللّه وتنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد . وإبطال عبادة ما يعبد من الجن . وإبطال الكهانة وبلوغ علم الغيب إلى غير الرسل الذين يطلعهم اللّه على ما يشاء . وإثبات أن للّه خلقا يدعون الجن وأنهم أصناف منهم الصالحون ومنهم دون ذلك بمراتب ، وتضليل الذين يتقولون على اللّه ما لم يقله ، والذين يعبدون الجن ، والذين ينكرون البعث ، وأن الجن لا يفلتون من سلطان اللّه تعالى . وتعجبهم من الإصابة برجوم الشهب المانعة من استراق السمع ، وفي المراد من هذا المنع والتخلص من ذلك إلى ما أوحى اللّه إلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم من في شأن القحط الذي أصاب المشركين لشركهم ولمنعهم مساجد اللّه ، وإنذارهم بأنهم سيندمون على تألبهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ومحاولتهم منه العدول عن الطعن في دينهم . [ 1 - 2 ] [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ( 2 ) افتتاح السورة بالأمر بالقول يشير إلى أن ما سيذكر بعده حدث غريب وخاصة بالنسبة للمشركين الذين هم مظنة التكذيب به كما يقتضيه قوله : كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً [ الجن : 7 ] حسبما يأتي . أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يعلم المسلمين وغيرهم بأن اللّه أوحى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه اللّه تكريما لنبيه وتنويها بالقرآن وهو أن سخر بعضا من النوع المسمى جنّا لاستماع القرآن وألهمهم أو علّمهم فهم ما سمعوه واهتداءهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد وتنزيه اللّه والإيمان بالبعث والجزاء فكانت دعوة الإسلام في أصولها بالغة إلى عالم من العوالم المغيبة لا علاقة لموجوداته بالتكاليف ولا بالعقائد بل هو عالم مجبول أهله على ما جبلوا عليه من خير أو شر لا يعدو أحدهم في مدة الدنيا جبلته فيكون على معيارها مصيره الأبدي في الحياة الآخرة ولذلك لم يبعث إليهم بشرائع .